الأربعاء، 13 سبتمبر 2017

جغرافية وتاريخ المدينة

أولاً: جغرافية وتاريخ المدينة
تقع مدينة دمشق جنوب سورية على الطرف الغربي لحوض دمشق، وتطوقها سلاسل جبال القلمون ولبنان الشرقية من الشمال والغرب، والمرتفعات البركانية لحوران والجولان من الجنوب والشرق. وقد قامت دمشق القديمة على الضفة الجنوبية لنهر بردى، الذي يُعد شريان الحياة في المدينة وتشكل الجبال الواقعة إلى الغرب من دمشق حاجزاً طبيعياً للمطر القادم من البحر المتوسط. [1]


دمشق من أعرق مدائن الدنيا الخالدة الصامدة عبر الزمن، سكنها الإنسان دون انقطاع منذ الألف الثانية قبل الميلاد، ورد ذكرها في رسائل تل العمارنة التي تعود إلى القرن الرابع عشر ق.م باسم تماسكو وتامشق وتمشقو ودمشقا، وفسر بعضهم معنى دمشق ب (الأرض المزهرة الغناء)[2] ، وهذا المعنى يتطابق مع اللقب الذي ( عرفها به بعضهم الآخر، "الفيحاء" وهي (الأرض الواسعة من الدور والرياض) [3]
كما عرفت باسم" الشام"، ونظرًا لقدمها وجمالها ذكرت ووصفت بأسماء كثيرة وربما تبعًا لتنوع الحضارات واللغات وتصريفاتها، كالآشورية، والآرامية، واليونانية،السريانية والعربية...) -لكن بعض الباحثين يعارض الاستناد إلى الاشتقاقات اللغوية بذلك - ويرى آخرون أن بعض هذه التسميات تفتقد إلى الوثائق.

إن لهذه الأسماء، جميعًا دلالتها عن الجمال والقدم، فهي تدل على عظمتها، وقدم عمرانها وسكناها وغوطتها الغناء، ومياهها العذبة، ونهرها المتشعب الذي تحلقت حوله المدينة وجلب محيطه الزراعي السكان والمستعمرين منذ مراحل تاريخية مبكرة، ولا غرو في أن يلقبها الرومان "عين الشرق كله" إنها بحق عين الشرق، ومدينة التاريخ كله.
كانت المدينة قد نشأت قديمًا على مساحة مستطيل أو بيضوي "يمتد من الشرق إلى الغرب، وفي المركز تل ارتفاعه ستة أمتار تقريبًا من المرجح أنه يضم تحته موقع قلعة دمشق الأولية، وقصور ملوكها الآراميين، وليس بعيدًا عنه المعبد الكبير الذي خصص لعبادة الإله حدد الآرامي، وهو المكان الذي يقوم عليه الجامع الأموي الكبير الآن [4]

أصبح التصنيف الشائع للمدينة حاليًا، أنها مكونة من قسمين؛ القسم القديم ضمن السور ويطلق عليه اسم "المدينة القديمة"، والقسم "الحديث" وهو ما يقع خارج السور. ويذكر أن السور كان قد شيد في العهد الآرامي واليوناني والروماني، وخربه العباسيون عند احتلالهم دمشق، ثم جدد في عهد الدولة النورية (أيام نور الدين بن زنكي الملقب بالشهيد) الذي دخل دمشق سنة 1154 م [5]، وهو سور دفاعي له سبعة أبواب مازالت قائمة حتى الآن.
يختلف القسمان من حيث التخطيط والهندسة العمرانية ولا تفصل بينها إلا أزقة صغيرة، وحاراتها في الغالب تتوضع ببيوتها وأسواقها حول مركز المسجد الجامع الأموي. أما "المدينة الحديثة" التي توسعت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام1945 /، فقد توزعت مبانيها على طرفي الشوارع التي نظمت عمران المدينة بحسب مشروعات التنظيم التي وضعها مخطط المهندس الفرنسي دانجيه  / Danger  / 1936وبانشويا Panshoya ومخطط ايكوشار Ecochard1967 [6]
أقدم مخطط لمدينة دمشق

ازدهرت دمشق في العصر الهلنستي، وشيد فيها حيان جديدان غير الأحياء الآرامية على نمط التخطيط الشطرنجي السائد في المدن الهلنستية ، ولاتزال شواهده متمثلة في الشارع المستقيم الذي يخترق المدينة من باب الجابية إلى الباب الشرقي، أما الشارع الذي يتقاطع معه فلم يعد له وجود.
وفي العصر الأموي شهدت دمشق نهضة عمرانية جديدة، حين أصبحت عاصمة للخلافة الأموية ، إذ شيدت العمارات الإسلامية وأصبحت تضم فيما تضم منازل كبار رجال الدولة والولاة ، وبني الجامع الأموي الكبير وامتد البناء على ضفاف بردى وسفوح قاسيون، وبقيت كذلك حتى العهدين المملوكي والأيوبي، حيث ازدهر العمران مجددا في هذين العهدين ، فبنيت المدارس والخانات والمساجد والحمامات والزوايا الصوفية والبيمارستانات، وغيرها ، ولايزال كثير منها ماثلا حتى الآن.
وعلى ما يبدو فإن الظروف الأمنية السيئة والمتكررة التي ورد ذكرها في مصادر عديدة حول دمشق، عندما كانت تحدث الفتن والثورات في العهد العثماني، وأيام الغزاة التتار، وانعدام الأمن عهودًا طويلة هي التي أعطت المدينة طابعها النهائي، فاختبأت الدور القديمة خلف هذه الأزقة، و" لا يهم ظاهرها... واستعاض الناس عن خارج البيوت بداخلها، وبذا تبلور طراز العمارة المميز الذي يصف البيوت الشامية الأصيلة ذات المساحات الداخلية الواسعة..."[7]

أما التأثيرات الأوروبية فقد جاءت على يد كبار الباشوات مثل مدحت باشا، وعزت باشا العابد، والموظفين المصريين الذين جاؤوا مع حملة ابراهيم بن محمد علي باشا على سورية. وأدت التنظيمات الإدارية الجديدة في هذا العهد إلى ظهور أبنية جديدة ضمت الإدارات، مثل مركز البريد وقصر العدل والجامعة والثكنات وغيرها...
وفي زمن الانتداب الفرنسي امتد البناء إلى بساتين الصالحية، و ظهرت أحياء الجسر الأبيض والشهداء وعرنوس. وبعد تلك المرحلة ولاسيما بعد الاستقلال توسعت المدينة توسعًا عمرانيًا كبيرًا وسيطرت الطرز الحديثة في العمارة، وشييد كثير من الأبنية الإسمنتية الطابقية والبرجية والمنشآت الضخمة في أماكن لا يتناسب بعضها  برأيينا  مع محيطها التاريخي، وربما كان من الأفضل لوأن تلك الأماكن بقيت تحمل صبغتها التاريخية القديمة، وقد تكون ساحة الشهداء (المرجة) هي المثال الأبرز لهذه الأماكن، حيث تبين الصور والرسوم الوثائقية القديمة رحابتها، ووضوح النصب التذكاري للاتصالات البرقية بين دمشق والمدينة المنورة الذي يتوسطها، وإحاطتها ببعض المباني الكلاسيكية وسكك الحديد ومواقف الترام الكهربائي فيها، وذلك منذ مئة عام فقط. [8]






[1] جاموس وقطيفان ، 2012 ،ص29
[2] خير، الموسوعة العربية م/ 9 ص 344
[3] قسطاطي، 1976 ص 7

[4] خير ، مرجع سابق ، ص 450
[5] الشهابي ، 1988 ، ص 77
[6] البهنسي  الموسوعة العربية م/ 9 ص 351
[7] خير ، مرجع سابق ، ص 346
[8]  طوبال ، 2008 ، ص 168

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

القيمة الاستثنائية العالمية - حلب

المعيار الثالث أن تظهر تفرد التراث التقليدي الثقافي أو حضارة اندثرت  أو مازالت حية تعكس المدينة القديمة في حلب ثقافات غنية ومتنوعة على ا...